الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

232

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قال : هذا حديث حسن غريب . وروى الطبري قريبا منه عن أبي أمامة وعن ابن عباس . وتأويل هذه الأسانيد أنّ الآية تليت عند وقوع هذا السؤال وإنّما كان نزولها قبل حدوثه فظنّها الراوون نزلت حينئذ . وتأويل المعنى على هذا أنّ الأمّة تكون في سعة إذا لم يشرع لها حكم ، فيكون الناس في سعة الاجتهاد عند نزول الحادثة بهم بعد الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - ، فإذا سألوا وأجيبوا من قبل الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - تعيّن عليهم العمل بما أجيبوا به . وقد تختلف الأحوال والأعصار فيكونون في حرج إن راموا تغييره ؛ فيكون معنى إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ على هذا الوجه أنّها تسوء بعضهم أو تسوؤهم في بعض الأحوال إذا شقّت عليهم . وروى مجاهد عن ابن عباس : نزلت في قوم سألوا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي . وقال مثله سعيد بن جبير والحسن . وقوله : أَشْياءَ تكثير شيء ، والشيء هو الموجود ، فيصدق بالذات وبحال الذات ، وقد سألوا عن أحوال بعض المجهولات أو الضّوالّ أو عن أحكام بعض الأشياء . و ( أشياء ) كلمة تدلّ على جمع ( شيء ) ، والظاهر أنّه صيغة جمع لأنّ زنة شيء ( فعل ) ، و ( فعل ) إذا كان معتلّ العين قياس جمعه ( أفعال ) مثل بيت وشيخ . فالجاري على متعارف التصريف أن يكون ( أشياء ) جمعا وأنّ همزته الأولى همزة مزيدة للجمع . إلّا أنّ ( أشياء ) ورد في القرآن هنا ممنوعا من الصرف ، فتردّد أئمّة اللغة في تأويل ذلك ، وأمثل أقوالهم في ذلك قول الكسائي : إنّه لما كثر استعماله في الكلام أشبه ( فعلاء ) ، فمنعوه من الصرف لهذا الشبه ، كما منعوا سراويل من الصرف وهو مفرد لأنّه شابه صيغة الجمع مثل مصابيح . وقال الخليل وسيبويه : ( أشياء ) اسم جمع ( شيء ) وليس جمعا ، فهو مثل طرفاء وحلفاء فأصله شيئاء ، فالمدّة في آخره مدّة تأنيث ، فلذلك منع من الصرف ، وادّعى أنّهم صيّروه أشياء بقلب مكاني . وحقّه أن يقال : شيئاء بوزن ( فعلاء ) فصار بوزن ( لفعاء ) . وقوله إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ صفة أَشْياءَ ، أي إن تظهر لكم وقد أخفيت عنكم يكن في إظهارها ما يسوءكم ، ولمّا كانت الأشياء المسؤول عنها منها ما إذا ظهر ساء من سأل عنه ومنها ما ليس كذلك ، وكانت قبل إظهارها غير متميّزة كان السؤال عن مجموعها معرّضا للجواب بما بعضه يسوء ، فلمّا كان هذا البعض غير معيّن للسائلين كان سؤالهم عنها سؤالا عن ما إذا ظهر يسوءهم ، فإنّهم سألوا في موطن واحد أسئلة منها : ما سرّهم جوابه ، وهو سؤال عبد اللّه بن حذافة عن أبيه فأجيب بالذي يصدّق نسبه ، ومنها ما ساءهم جوابه ، وهو سؤال من سأل أين أبي ، أو أين أنا فقيل له : في النار ، فهذا يسوءه لا